غسان سلامة: ليبيا ليست مجرد جائزة ينالها الأقوى، بل هي بلد يقطنه 6.5 مليون شخص يستحقون السلام 

الصورة : اليونسميل

“هذا التقرير، قضيت قرابة السنتين الأخيرتين أعمل جاهدا لأتفادى تقديمه”. بهذه الجملة استهل غسان سلامة، الممثل الخاص للأمين العام في ليبيا ورئيس بعثة الأمم المتحدة “أونسميل”، إحاطته اليوم أمام مجلس الأمن الدولي، مشيرا إلى أن اثنين وأربعين يوما من الهجمات التي شنتها قوات المشير حفتر على طرابلس خلفت الكثير من الموت والدمار. وباتت ليبيا قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق في حرب أهلية بإمكانها أن تؤدي إلى تقسيم دائم للبلاد، مضيفا أن رأب الضرر الحالي سيستغرق سنوات… وبحسب ما جاء على لسان الممثل الخاص، أسفرت اشتباكات طرابلس عما يربو على 460 قتيلا، 29 منهم مدنيون، وأكثر من 2400 جريحٍ، معظمهم من المدنيين. فيما أُجبر أكثر من 75000 مدني على النزوح، معظمهم من النساء والأطفال. كما أن حوالي 100 ألف رجل وامرأة وطفل ما زالوا محاصرين في مناطق المواجهات. وفيما تحدث عن الأمن الذي كانت تتمتع به العاصمة طرابلس والاستقرار الذي كان ينعم به الأهالي نتيجة المسار السياسي، والحماس الذي عمّ البلاد على أعتاب الملتقى الوطني في غدامس، أشار سلامة بأسف إلى رؤية أولئك الذين “قبلوا بحماسة دعوة البعثة إلى غدامس، يحملون السلاح ضد بعضهم البعض لمهاجمة العاصمة، أو للدفاع عنها”.

كما أعرب الممثل الخاص عن قلق عميق إزاء الارتفاع الحاد في وتيرة عمليات الاختطاف والاختفاء والاعتقال التعسفي منذ بداية النزاع الحالي. فقد تعرض ما لا يقل عن سبعة أشخاص من مسؤولين وموظفين للاحتجاز التعسفي أو الاختطاف في شرقي ليبيا وغربها. وفيما لا تزال مصائر كل هؤلاء الأشخاص مجهولة، شدد سلامة على أهمية ألا يسود الإفلات من العقاب.

 الممثل الخاص لفت الانتباه إلى تآكل النسيج الاجتماعي في ليبيا على نحو خطير نتيجة استمرار النزاع، موضحا أن “أصوات الأطراف الداخلية والإقليمية تطغى على الأصوات التي تنادي بوقف القتال والمصالحة بين الأطراف المتحاربة مستخدمة المنصات الإعلامية كسلاح لدس أخبار زائفة وأكاذيب وأقاويل لتأجيج الكراهية”.

ومؤكدا أنه لا يمكن حل الأزمة الليبية عسكريا، قال غسان سلامة إنه لا يمكن للعملية السياسية أن تتجاهل الحرب الدائرة الآن وكأنها لم تحدث، “فهناك واقع ما قبل 4 نيسان/ أبريل وما بعده. ويتعين على الأمم المتحدة كوسيطة محايدة، العمل على تعديل ذلك المسار بغية جسر الهوة العميقة من انعدام الثقة التي سادت منذ ذلك التاريخ”.

وأضاف أن تحقيق مستقبل أفضل لليبيا ما زال ممكنا، غير أن هناك حاجة ملحة للتحرك الآن قبل أن تنتقل المعركة إلى أحياء العاصمة المكتظة بالسكان. وهذا بدوره سيتطلب تحرك المجتمع الدولي بشكل منسق وفوري. وقال:

 ”مالم تدرك الأطراف الفاعلة على الصعيدين الدولي والإقليمي بأن ليبيا ليست مجرد جائزة ينالها الأقوى، بل إنها بلد يقطنه 6.5 مليون شخص يستحقون السلام ويحق لهم اختيار طريقهم للمضي قدما بشكل جماعي، فإن مستقبل ليبيا سيكون قاتما. وأخشى ما أخشاه أن عدم التحرك بشكل فوري لوقف تدفق الأسلحة والضغط على الأطراف الليبية في النزاع بغية تسهيل العودة إلى حوار جاد، سيسفر عن انزلاق ليبيا إلى حرب أهلية شاملة يمكن أن تؤدي إلى حالة من الفوضى (الهوبزية) الشاملة أو إلى تقسيم البلاد.”

ويفسر تعبير (الهوبزية) بأنه التنافس الأناني وغير المقيد وغير المتحضر.

ودعا غسان سلامة الليبيين إلى وقف القتال الآن من أجل أحبائهم وبلدهم ومن أجل السلام والأمن الدوليين. وطلب من مجلس الأمن الاضطلاع بمسؤوليته في الحث على وقف القتال وحث الأطراف المتحاربة على العمل مع البعثة لضمان وقف تام وشامل للأعمال العدائية والعودة الى عملية سياسية شاملة تقودها الأمم المتحدة.

المندوب الليبي يدعو المجلس إلى تجاوز التعبير عن القلق وتنفيذ قراراته فورا

من جهته قال مفوض الاتحاد الإفريقي للسلام والأمن، إسماعيل شرقي، إن الاتحاد الإفريقي لا يزال مقتنعا بأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة وبالتالي كرر دعوته إلى الحوار والتوافق بين الليبيين باعتبارهما الحل الدائم والوحيد لإقامة ليبيا مستقرة وموحدة. وقال إن ليبيا تتدهور بمعدل ينذر بالخطر، مشيرا إلى آثار الوضع الحالي مدمرة على المهاجرين الأفارقة في البلاد.

وأوضح قائلا:

“هناك حاجة للاعتراف بوجود تدخل خارجي سام ولا مثيل له في ليبيا. هذه التدخلات غمرت البلاد بالأسلحة التي خلقت بيئة مواتية لازدهار الجماعات الإرهابية. هذه التدخلات تؤدي إلى تفاقم الوضع المتقلب أصلا على الأرض. في هذا الصدد، ندعو جميع الجهات الفاعلة إلى العمل من أجل المصلحة الحقيقية للشعب الليبي واحترام سيادة ليبيا وسلامة أراضيها.”

أما المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة، المهدي المجربى، فقال إنه في الوقت الذي بدأ فيه الليبيون يشعرون بالتفاؤل بمستقبل أفضل، وبينما كان الأمين العام للأمم المتحدة يزور ليبيا، نفذ المشير حفتر هجومه على العاصمة الليبية طرابلس، مشيرا إلى أن قوات حفتر مازالت ترتكب انتهاكات تصل إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

أضاف المجربى أن “حكومة الوفاق الوطني تؤمن بأن أمام مجلس الأمن مسؤولية تاريخية لتصحيح مسار البوصلة وإعادة الأمور إلى نصابها. وبات المجلس مطالبا أكثر من أي وقت مضى بتجاوز التعبير عن القلق والاضطلاع بمسؤوليته في التنفيذ الفوري لقراراته السابقة وتسمية الأشياء بمسمياتها وذلك بإدانة المعتدي وإرغام قواته على العودة إلى مقارها السابقة ما قبل الهجوم “.