عدم مساواة واضطرابات وكراهية وعنف.. باشيليت تبرز حالة حقوق الإنسان حول العالم

الصورة : الأمم المتحدة

تثير عدم المساواة المظالم والاضطرابات وتغذي الكراهية والعنف، بل وتهدد السلم وتجبر الناس على مغادرة منازلهم وبلدانهم، كما أنها تقوض التقدم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي والسياسي في المجتمعات. هذا بحسب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان السيدة ميشيل باشيليت، التي قدمت تقرير عمل مكتبها خلال عام 2018 إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته الأربعين اليوم الثلاثاء في مقر المجلس بجنيف، مبرزة حالات حقوق الإنسان الرئيسية في جميع أنحاء العالم. السيدة باشيليت، بعد أن رسمت هذه الصورة القاتمة لحقوق الإنسان في العالم، أكدت في الوقت نفسه على أن حقوق الإنسان تحيي الأمل، حيث “تربط البشرية بالمبادئ المشتركة والمستقبل الأفضل، في تناقض حاد مع قوى القمع والاستغلال المدمرة والتمييز وعدم المساواة” حسب قولها.

حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

السيدة باشيليت في مجمل حديثها، تطرقت إلى عدد من الدول العربية. وأكدت أن الوصول إلى العدالة والمساءلة أمر ضروري لأي تسوية في سوريا. وفي هذا الصدد، دعت الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى إلى الإفصاح عما حدث للعديد من الرجال والنساء والأطفال المفقودين والأشخاص المحتجزين.

كما أعربت عن قلقها الخاص إزاء ارتفاع عدد القتلى المدنيين في محافظة إدلب، وحثت جميع الأطراف على ضمان حصول آلاف المدنيين، الفارين من الأراضي التي كانت تحت سيطرة داعش سابقا، على الحماية والمساعدة الكافية.

وعن السودان، سلطت المفوضة السامية الضوء على تفريق قوات الأمن للمظاهرات بعنف، مستخدمة أحيانا الذخيرة الحية. وأشارت إلى الاستخدام المفرط للقوة، بما في ذلك داخل المستشفيات والمساجد والجامعات، والاعتقال التعسفي والتعذيب.

وحذرت السيدة باشيليت من أن إعلان حالة الطوارئ لن يكون له أي تأثير على المظالم الأساسية الحقيقية، التي يسعى المتظاهرون إلى التعبير عنها. ولذلك، شجعت على إجراء إصلاحات سريعة وذات مغزى لمكافحة الفساد وفتح المجال المدني وتمكين الحوار الشامل ومشاركة أكبر من جانب الناس في صنع القرار.

وفي ليبيا، حذرت المسؤولة الأممية من أن يؤدي العنف الذي تصاعد، منذ بداية العام خاصة في درنة وجنوب البلاد، إلى إثارة أكبر لحالة الفوضى، لا سيما في ظل السياق السياسي المنقسم بصورة متزايدة واستمرار غياب القانون. وقالت:

لا تزال الجماعات المسلحة، التي تقع خارج هياكل القيادة والسيطرة الفعالة للدولة فيما تندمج في مؤسساتها، ترتكب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان في جميع أنحاء البلد، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب.”

وذكرت باشيليت أن أعداد القتلى والجرحى من المدنيين عام 2018، كما وثقته الأمم المتحدة، قد ارتفع بنسبة 40% مقارنة بعام 2017.

أما في اليمن، فسلطت مفوضة حقوق الإنسان الضوء على معاناة المدنيين في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، على الرغم من وقف إطلاق النار الحالي. وقالت:

الصراع لم يقتل ويتسبب في جرح الآلاف من المدنيين فحسب، بل جلب المجاعة وحرم الناس من أهم السلع والخدمات الأساسية، ودمر البنية التحتية الحيوية، والتراث الثقافي الفريد. العواقب الوخيمة للإصابات الناجمة عن الغارات الجوية والقصف والألغام الأرضية وسوء التغذية الحاد، خاصة بالنسبة للأطفال، بسبب عرقلة المساعدات الإنسانية، ستشوه مستقبل البلد لأجيال.”

هذا وأعربت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء ما يبدو أنه اعتقال واحتجاز تعسفيان وسوء معاملة وتعذيب مزعومان، لعدد من المدافعات عن حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية. وقالت:

إن اضطهاد النشطاء السلميين يتناقض بوضوح مع روح الإصلاحات الجديدة التي أعلنت عنها البلاد. إننا نحث على إطلاق سراح هؤلاء النساء.”

أما في الأرض الفلسطينية المحتلة، فأسهبت مفوضة حقوق الإنسان في تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين في ظل “الأثر المدمر للاحتلال على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والذي يرتبط ارتباطا وثيقا بانتهاكات الحقوق المدنية والسياسية،” كما أشارت.

وقالت إن الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، الذي دخل الآن عامه الثاني عشر، أدى إلى تدهور اقتصادي، حيث يعاني أكثر من 50% من سكان القطاع من البطالة، وترتفع هذه النسبة بين الشباب؛ كما يعتمد أكثر من 70% من الناس على المساعدات الإنسانية. وأضافت: “يمكن القول إن المنتج الرئيسي لاقتصاد غزة هو اليأس”.

وبالإشارة إلى مرور عام على بدء مظاهرات مسيرة العودة الكبرى، أشارت باشيليت إلى نتائج لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، حيث ذكرت أن المظاهرات “قوبلت بالقوة المميتة وغير المتناسبة من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، مما أدى إلى ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى”. وأعربت باشيليت عن خيبة أملها لعدم معالجة إسرائيل لأي من هذه القضايا الخطيرة للغاية التي أثيرت.

وفي الضفة الغربية، أشارت إلى تأثير المستوطنات على جميع جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين، بما في ذلك التأثير السلبي الكبير على حرية الحركة والوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية. وأكدت أن “فرض ضائقة اقتصادية على الفلسطينيين لا يجعل الإسرائيليين أكثر أمنا”.

حالة حقوق الإنسان حول العالم ليست أفضل من نظيرتها في المنطقة العربية

في فرنسا، قالت باشيليت إن أصحاب “السترات الصفراء” يحتجون على ما يرون أنه استبعاد من الحقوق الاقتصادية والمشاركة في الشؤون العامة. وشجعت الحكومة على مواصلة الحوار وإجراء تحقيقات كاملة في جميع الحالات المبلغ عنها بشأن الاستخدام المفرط للقوة.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فأعربت مفوضة حقوق الإنسان عن قلقها إزاء بروتوكولات حماية المهاجرين الجديدة التي تقيد الوصول إلى اللجوء وغيره من أشكال الحماية. وأشارت إلى تقرير حديث، صدر عن المفتش العام لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة، الذي أفاد بأن “آلافا أكثر من الأطفال المهاجرين قد تم فصلهم عن أسرهم مقارنة بما تم الإبلاغ عنه من قبل”.

وانتقدت السيدة باشيليت سياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي، معربة عن انزعاجها حيال أعداد الوفيات في البحر المتوسط، حيث “تم تسجيل 226 حالة وفاة أخرى في الشهرين الأولين من هذا العام”.

وأشارت باشيليت إلى “إجبار العديد من سفن المنظمات غير الحكومية على تعليق العمليات من خلال إجراءات تجرم التضامن بشكل أساسي،” وبالإضافة إلى ذلك، رفضت بعض الحكومات دخول السفن”. ودعت الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه إلى إعطاء الأولوية لحياة وسلامة المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز إجراءات البحث والإنقاذ، والسماح بعمليات الإنقاذ التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية.

ولكن السيدة باشيليت أشادت ببرامج ألمانيا الناجحة لمساعدة المهاجرين على الاندماج في الاقتصاد والمجتمع، وكذلك بالتشريعات في العديد من البلدان، بما فيها فنلندا والبرتغال وإسبانيا، التي تسمح للمهاجرين بالدخول إليها والإقامة فيها في حالات الضعف، استنادا إلى أسس حقوق الإنسان.

كما أعربت كذلك عن مخاوفها بشأن قيام أستراليا الوشيك بنقل المهاجرين من جزيرة مانوس وناورو إلى مراكز احتجاز جديدة. وقالت “هؤلاء الناس يعانون منذ أكثر من ست سنوات. يمكن، بل ينبغي، تنفيذ سياسات أكثر إنسانية.”

وفي ميانمار، أعربت ميشيل باشيليت عن قلقها إزاء عدم اتخاذ أي تدابير ذات مغزى نحو تنفيذ العودة الآمنة والكريمة والطوعية والمستدامة للروهينجا، امتثالا لحقوقهم في المواطنة وغيرها من الحقوق. وأوضحت أن المصالح والأنشطة الاقتصادية، فيما يبدو، كانت من بين العوامل الرئيسية التي دفعت العنف العسكري والتهجير من قبل جيش ميانمار، إلى جانب تجريد الروهينجا من الإنسانية، والتمييز ضدهم لفترة طويلة.

وأكدت المفوضة السامية لحقوق الإنسان أن الوضع في فنزويلا يبين بوضوح كيف يمكن أن يؤدي انتهاك الحقوق المدنية والسياسية، مثل الفشل في دعم الحريات الأساسية واستقلال المؤسسات الرئيسية، إلى زيادة تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. بل ويوضح كيف تتحول الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة بسرعة إلى احتجاجات وقمع أكبر.

وفي سياق جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، ذكرت السيدة باشيليت أن توسيع المناقشات للتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من شأنه أن يحقق نتائج ملموسة لصالح سكان كوريا الشمالية، بل ويمكنه أيضا أن يساعد المحادثات على تحقيق السلم والأمن الدائمين.

المرأة وحقوق الإنسان حول العالم

في خضم هذه الاتجاهات السلبية، ذكرت السيدة باشيليت بعض المجالات المفعمة بالأمل، مشيرة إلى الاستمرار في إحراز بعض التقدم فيما يتعلق بالقيادة النسائية وتحقيق المساواة للمرأة. وقالت “العام الماضي، انتخبت امرأة عمدة للعاصمة التونسية، في منطقة تشهد أدنى مستويات للتمثيل السياسي للمرأة في العالم”.

كما أشارت كذلك إلى انتخاب عدد قياسي من النساء مؤخرا في الكونغرس الأميركي، ومن بينهم أول عضوة مسلمة في الكونغرس، وأيضا أول عضوة من السكان الأصليين، وكذلك أصغر امرأة يتم انتخابها للكونغرس عل الإطلاق.

ولكن في العديد من أنحاء العالم، تتعرض النساء للهجوم والاستغلال والإسكات ونهب كرامتهن وحقوقهن، بحسب المفوضة السامية، التي قالت إن “العنف الجنسي لا يزال متفشيا في حالات النزاع. كما أن النساء والفتيات المهاجرات معرضات بشدة لخطر العنف القائم على نوع الجنس”.

أما المدافعات عن حقوق الإنسان، فقالت إنهن “يواجهن نفس المخاطر التي يواجهها الرجال، ولكن مع وجود تهديدات إضافية تشكلها وجهة نظر مفادها أن المرأة يجب أن تكون ملتزمة بخدمة مجتمع يهيمن عليه الذكور”. وأشارت إلى ما يتعرضن له من عنف جسدي وجنسي والفضح العام، بما في ذلك على شبكة الإنترنت، واستخدام الهجمات على عائلاتهن وأطفالهن بشكل متزايد كأساليب لإسكات الناشطات.