رسالة من رئيس الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات السيد فيروج سومياي بمناسبة صدور تقرير 2017

Photo : INCB

يدرس التقرير السنوي من الهيئة الدولية لمراقبة المخدِّرات (الهيئة) لعام 2017 حالة مراقبة المخدِّرات في العالم، مع التركيز على العلاج وإعادة التأهيل، ويقدم توصيات لمساعدة الدول على اتخاذ تدابير فعالة للتصدي للتحديات المتعلقة بالمخدِّرات مع الامتثال التام للمعايير والقواعد الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. ونحن إذ نحتفل بالذكرى السنوية السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فقد انتهزت الهيئة الفرصة في هذا التقرير لإلقاء نظرة أوثق على الروابط بين حقوق الإنسان والسياسات العامة بشأن المخدِّرات، والبحث في التبعات التي تنطوي عليها التدابير الوطنية للاستجابة لمراقبة المخدِّرات. ويتناول الفصل المواضيعي هذا العام قضايا علاج المصابين باضطرابات ناشئة عن تعاطي المخدِّرات وإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع باعتبارها عناصر أساسية لخفض الطلب على المخدِّرات. فالاضطرابات الناشئة عن تعاطي مواد الإدمان هي من أكثر الاضطرابات المعرضة للوصم. ولا تزال وصمة العار المقترنة بتعاطي المخدِّرات أحد أهم العوائق أمام علاج الارتهان للمخدِّرات وعقبة رئيسية أمام إعادة الإدماج في المجتمع.

ويُعد علاج المصابين بالاضطرابات الناشئة عن تعاطي المخدِّرات وإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع من ضمن التوصيات الرئيسية الواردة في الوثيقة الختامية لدورة الجمعية العامة الاستثنائية بشأن مشكلة المخدِّرات العالمية المعنونة « التزامنا المشترك بالتصدي لمشكلة المخدِّرات العالمية ومواجهتها على نحو فعال ». ويبيِّن تقريرنا هذا أنَّ العلاج من الارتهان للمخدِّرات فعال للغاية من حيث التكلفة، ولكن الأهم من ذلك أنه ينبغي النظر إلى هذا العلاج باعتباره جزءاً من « حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن ومن ثم بلوغه، فإنه أحد عناصر الحق في الصحة. »

كما أنَّ الإقرار بأنَّ العلاج من الارتهان للمخدِّرات هو أحد عناصر الحق في الصحة يسهم في تبديد الوصم والتمييز الجائر، اللذين كثيراً ما يشكلان عائقاً يحول دون الحصول على العلاج ودون إعادة الإدماج في المجتمع. وتدعو الهيئة القادة ومقرري السياسات العامة والمجتمع المدني إلى النظر في التوصيات المقدمة وتوجيه الانتباه خصوصاً إلى الاحتياجات للعلاج لدى الفئات التي كثيراً ما تعاني من الإهمال.

وتهيب الهيئة بالدول أن تطبِّق نهجاً شاملاً وكُليًّا عند تقييم، وكذلك عند تلبية، احتياجات الفئات الخاصة، مثل النساء والأطفال، والأشخاص المودعين في السجون، والمصابين باضطرابات الصحة العقلية، والمهاجرين، واللاجئين، والأقليات العرقية، والأشخاص المشتغلين بالجنس، وغيرهم من الفئات.

ويواجه المجتمع الدولي حاليًّا ظاهرتين وبائيتين متباينتين تتعلقان بالمؤثرات الأفيونية، هما نقص توافرها مقابل الإفراط في إصدار وصفات طبية للمؤثِّرات الأفيونية. وفي الوقت الراهن، فإنَّ إمكانية حصول بلايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم على أدوية محتوية على عقاقير مخدِّرة، مثل المورفين وهو مادة كثيراً ما تُستعمل في علاج الألم، محدودة أو منعدمة. ويعاني أولئك الذين يعيشون في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل معاناة شديدة من عدم القدرة على الحصول على تلك المواد، وتحثُّ الهيئة الدول على سدِّ فجوة عدم التكافؤ في تخفيف الآلام على الصعيد العالمي.

وعلى النقيض من ذلك، تعاني الولايات المتحدة الأمريكية وكندا من تفشِّي ظاهرة تعاطي جرعات مفرطة من هذه المواد. وإننا ندعو هنا جميع الحكومات إلى فهم المخاطر المرتبطة بتعاطي المؤثِّرات الأفيونية الطويل الأجل ودرئها.

وللتصدي لهذه التحديات المزدوجة، تؤكد الهيئة مجدَّداً أنَّ هناك حاجة ملحة إلى توفير التدريب للاختصاصيين العاملين في الرعاية الصحية والسلطات المسؤولة من أجل ضمان اتباع ممارسات رشيدة في وصف العقاقير والتأكد من وضع التوصيات العملية المعتمدة في الدورة الاستثنائية الثلاثين للجمعية العامة موضع التنفيذ العملي.

وتشدِّد الهيئة على مدى أهمية زيادة تدابير علاج الاضطرابات الناشئة عن تعاطي المخدِّرات واعتماد استراتيجيات للوقاية والتنظيم الرقابي على الصعيد الوطني بهدف تحسين سبل الحصول على المواد الخاضعة للمراقبة وتوافرها للأغراض الطبية. وهذه الجهود الوطنية إنما تكون أكثر فعالية عندما تقترن أيضاً بإجراءات دولية في هذا الاتجاه.

ويسلِّط الفصل الثالث الضوء على التطورات الإقليمية، ومنها النقص في استعمال المواد الخاضعة للمراقبة للأغراض الطبية في بعض المناطق، وتفشِّي ظاهرة تعاطي جرعات مفرطة من المؤثرات الأفيونية في مناطق أخرى، والتغييرات التشريعية والتنظيمية، بما في ذلك تلك المتعلقة باستعمال المواد الخاضعة للمراقبة في غير الأغراض الطبية في بضعة بلدان؛ وكذلك الحالات المعينة مثل زراعة محاصيل المخدِّرات بطريقة غير مشروعة في أفغانستان ومنطقة الأنديز، وكلاهما مصدر قلق كبير لأوساط المجتمع الدولي والهيئة. وقد لاحظنا بعض التحسينات في جمع البيانات عن الاتجاهات في تعاطي المخدِّرات في بعض البلدان، مع أنه ما زال يلزم عمل الكثير في هذا الصدد. كما يشمل الفصل الاتجاهات والتطوُّرات بشأن المؤثِّرات النفسانية الجديدة في جميع أنحاء العالم.

لقد قدَّمنا في جميع أجزاء تقرير هذا العام توصيات ترى الهيئة أنَّ من شأنها أن تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخصوصاً الهدف 3 المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه. وتشمل هذه التوصيات الاستثمار في البنى التنظيمية المتعددة المستويات وتوفيرها لتقديم الخدمات العلاجية، وضمان التنسيق بين القطاعات المتعددة لغرض خفض العرض والطلب. وتعتقد الهيئة أنَّ اتِّباع القادة ومقرِّري السياسات والمجتمع كله للمبادئ الواردة في الفصل الأول من التقرير السنوي، وإيلاءهم اهتماماً خاصًّا لاحتياجات الأشخاص إلى العلاج سوف يكون لهما تأثير كبير على صحة الفئات التي كثيراً ما تعاني من الإهمال.

كما تقدِّم الهيئة في تقرير عام 2017 بياناً تفصيليًّا لأحدث الاتجاهات والتطورات في التجارة الدولية المشروعة في الكيمياويات السليفة الخاضعة للمراقبة الدولية، وكذلك في بدائلها الأخرى غير المجدولة، وفي الاتجار بتلك المواد. كذلك يسلِّط تقرير هذا العام عن السلائف الضوء على الازدياد في تهريب أهنيدريد الخل، وهو من الكيمياويات الرئيسية التي تُستعمل في صنع الهيروين غير المشروع، والتدابير المتخذة في الآونة الأخيرة للسيطرة على تدفق سلائف الفنتانيل، وهي مادة اقترنت بتفشِّي ظاهرة تعاطي جرعات مفرطة من المؤثِّرات الأفيونية في أمريكا الشمالية.

إننا نسعى صوب مواصلة الإسهام بنشاط في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبلوغ الأهداف المنشودة المعتمدة في الدورة الاستثنائية الثلاثين للجمعية العامة. وتحقيقاً لهذه الغاية، سوف نواصل الاعتماد على الحوار النشط مع جميع الدول وعلى دعمها.

ويجب أن تَتَّبِع السياساتُ العامة بشأن المخدِّرات نهجاً يسعى إلى الارتقاء بصحة الإنسان وحُسن حاله. وتتيح الاتفاقيات الدولية الثلاث لمراقبة المخدِّرات مجالاً واسعاً أمام المجتمع الدولي لكي يحقق هذا الهدف . وآمل أن تشجِّع تقاريرنا الدول والمجتمع الدولي على المزيد من التعاون والعمل. ويمكننا، معاً، أن نقترب أكثر فأكثر من تحسين أحوال الأفراد في جميع أنحاء العالم وأن نسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.