مستقبل العمل في البلدان العربية: العمل سويةً لتحقيق النمو والسِلم والقدرة على مواجهة الأزمات

الصورة : منظمة العمل الدولية

في منطقة تواجه مجموعة فريدة من التحديات، على الحكومات العربية والعمال وأحاب العمل أن يتعاونوا لضمان مستقبل يسود فيه العمل اللائق والعدالة الاجتماعية، كما تقول د. ربا جرادات المدير الإقليمي للدول العربية في منظمة العمل الدولية. يبدو أن عبارة « مستقبل العمل » باتت الآن على كل شفةٍ ولسان. فالدراسات والمواقع الإلكترونية والندوات وحتى الفرع المعرفي الجديد كلياً وهو « علم المستقبل » جميعها مخصصٌ لدراسة ما يخبئه لنا عالم العمل في العقود المقبلة. ويتمحور كثيرٌ من تلك المناقشات حول دور التقدم التكنولوجي في تحويل فرص العمل أو تدميرها، ما يخلق اقتصاداتٍ « تشاركية » أو اقتصادات « العربة »، ويقلب علاقات العمل رأساً على عقب، ويدفع فرص العمل بعيداً عن الاقتصاد المنظَّم، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة. وبالتأكيد، ليست دول الخليج العربي والشرق الأوسط منيعةً ضد تلك التحولات. ولكننا نواجه ظروفاً استثنائية تُوجِّه أفكارنا بشأن المستقبل نحو اعتباراتٍ أهم وأعظم. ونظراً لعدم الاستقرار في المنطقة والأزمات التي طال أمدها في بعض الدول العربية وندرة الحوارات الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة واتساع أوجه عدم المساواة وعدم كفاية الإصلاحات الاقتصادية، يبدو أن مستقبل العمل يطرق أبوابنا بصوتٍ أعلى منه في المناطق الأخرى.

وبالنسبة لكثيرين منا، فإن الأصداء تُنذر بالسوء لأنه يبدو أن مستقبلنا يبتعد عن العدالة الاجتماعية بدل التوجه نحوها. فلنتأمل الأعداد غير المسبوقة التي تصل إلى عشرات الملايين لمن غادروا أوطانهم مع أسرهم لأسبابٍ لا علاقة لها بالعمل، ولكن لها عواقب كبرى على سوق العمل.

ولننظر إلى النازحين في الدول الهشة، وهي بلدانٌ تعصف بها أعمال العنف أو الصراعات حيث لم يعد بإمكان سوق العمل توفير فرص العمل والعمل اللائق للعمال. وثمة دولٌ أخرى تعين عليها التعامل مع تداعيات تلك النزاعات والمتمثلة في تدفق أعدادٍ هائلة من اللاجئين وهم بحاجةٍ أيضاً للعمل في سبيل البقاء على قيد الحياة، بيد أنهم يشكلون ضغوطاً كبيرة على أسواق العمل المنهكة أصلاً.

علاوةً على ذلك، شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة انتشار التطرف والكراهية والإرهاب بشكلٍ مقلق، ما يقرع ناقوس الخطر. وثمة إجماعٌ متزايد في الآراء على أن عدم الحد من الفقر وانعدام المساواة وعدم وجود نموٍ اقتصادي شامل وفرص عملٍ لائقة قد أسهم إسهاماً كبيراً في ذلك. فكيف لنا أن نبني مستقبل العمل بحيث نُنشئ أسواق عملٍ متينة ونضع سياسات تشغيلٍ ذكية لا تُعزز النمو فحسب، بل وتدعم أيضاً السِلم والاستقرار في المجتمع، وتمنع العنف والضعف، وتبني القدرة على مواجهة الأزمات؟

فلننظر أيضاً في أمر شبابنا. فالشابات والشبان بعمر 15-24 عاماً يشكلون 18 في المائة من سكان الشرق الأوسط ودول الخليج (باستثناء مصر ودول المغرب العربي)، ويُتوقع ارتفاع عددهم بنسبة 43 في المائة ليصل إلى 41 مليوناً عام 2050. وهو أضخم عددٍ من الشباب سينتقل إلى مرحلة البلوغ في تاريخ المنطقة. وسيؤثر هؤلاء الداخلون الجدد على أسواق العمل في المنطقة والتي تعاني أصلاً من أعلى معدلٍ إجمالي لبطالة الشباب في العالم.

يحدث كل ذلك في منطقةٍ تبلغ نسبة البطالة فيها 10.2 في المائة، ويُتوقع أن يرتفع فيها عدد السكان في سن العمل بمقدار 76 مليون نسمةٍ أي 77 في المائة ليصل إلى 175 مليوناً في السنوات الخمس والثلاثين القادمة. كيف لنا هيكلة اقتصاداتنا وتنويعها بما يكفل خلق فرص عملٍ لائق على نطاقٍ واسع في المستقبل، خاصةً للشباب؟ كيف يمكننا تطوير مهارات العمال كي يصبحوا مؤهَّلين لفرص العمل في المستقبل؟ ما السياسات التي تعزز بيئة أعمال نابضة بالحياة وقادرة على استقطاب استثماراتٍ كبيرة وخلق فرص عملٍ أكثر في القطاع الخاص؟ وما الإجراءات التي تزيد فعالية سياسات توطين اليد العاملة؟

وإلى جانب شبابنا، لننظر أيضاً إلى كبار السن بعمر 65 عاماً فما فوق، والذين سيتضاعف عددهم في البلدان العربية أكثر من خمس مراتٍ، من 5 ملايين الآن إلى 27 مليوناً عام 2050. ويشكل ذلك تحدياتٍ مستقبلية تهدد الاستدامة المالية لأنظمة الضمان الاجتماعي غير الملائمة حالياً والتي ترزح تحت ضغوط تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر وتوسع الاقتصاد غير المنظَّم. ويُرجَّح أن تواجه تلك الأنظمة مزيداً من التحديات من قبيل ظهور أشكالٍ جديدة للعمل وعولمة سلاسل التوريد.

كيف نعيد هيكلة أنظمة الضمان الاجتماعي في المنطقة بحيث تغطي العمال وأفراد أسرهم قاطبة؟ كيف يمكن للدول الإعلاء من شأن تطوير الحماية الاجتماعية بوصفها حقاً من حقوق الإنسان. فلننظر إلى ما يخبئه مستقبل العمل للمرأة في منطقةٍ تفتقر إلى التكافؤ في الحقوق بين الجنسين وبعض معدلات بطالة المرأة فيها هي الأعلى في العالم. فمعدل مشاركة المرأة في القوى العاملة لا يتجاوز 21 في المائة مقابل 77 في المائة للرجل، ما يعني هدر طاقاتٍ اقتصادية كبيرة. ولذلك، ينبغي أن تغدو زيادة هذا المعدل من الأولويات في المنطقة.

ما التدابير التي نستطيع اتخاذها لكي تحصل النساء الموجودات حالياً في القوى العاملة أو اللواتي على وشك الانضمام إليها على فرص عملٍ لائقة في المستقبل؟ ما السياسات التي يتعين وضعها لتعزيز فرص ريادة الأعمال للمرأة؟ كيف نزيل الحواجز التي تَحول دون استثمار المرأة طاقاتها كاملةً في اقتصاد المنطقة ومجتمعها؟

تستدعي المصاعب المشتركة التي نواجهها إجراء تغييرٍ جذري في نمط سياساتنا الحالية. فعلى صعيد فرص العمل، ستُسفر السياسات الحالية عن نمو فرص العمل بنسبة 2.3 في المائة سنوياً في السنوات الخمس المقبلة. ولكن هذا النمو لا يلبي الست ملايين فرصة عمل التي يتعين علينا خلقها في البلدان العربية بحلول عام 2020، ناهيك عن 13 مليون فرصة عمل يجب توفيرها في العقد المقبل.

ليس للأسئلة المطروحة هنا أجوبة يسيرة، وتوقُّع المستقبل أمرٌ عسير في أفضل الأوقات فما بالك في ظل أوجه عدم اليقين الكثيرة في المنطقة. ولكن التنبؤ بالمستقبل أمرٌ مهم لأنه ببساطةٍ يتيح لنا الاستعداد ورسم المستقبل الذي نريد: مستقبلٌ بفرص عملٍ أفضل وأكثر وبأجورٍ عادلة، مستقبلٌ يحقق الأمن في مكان العمل والحماية الاجتماعية للأسر، ويحسِّن آفاق التنمية الشخصية والاندماج الاجتماعي وحرية الناس في التعبير عن مشاكلهم وفي التنظيم والمشاركة في اتخاذ القرارات المؤثِّرة على حياتهم، ويضمن تكافؤ الفرص والمعاملة لكل النساء والرجال.

ولكن ليس بمقدور فردٍ أو جماعةٍ بعينها اجتراح جميع الحلول. لذا، تُشجع منظَّمة العمل الدوليَّة البلدان العربية على إجراء حواراتٍ وطنية حول مستقبل العمل لتحضير اقتصاداتها للتغييرات التي يشهدها عالم العمل في المنطقة والعالم ولوضع سياساتٍ فعالة تعالج ذلك وترسم مستقبل العمل. وتُحضِّر منظمة العمل الدولية الآن لعقد مؤتمرٍ عربي إقليمي بتاريخ 3 نيسان/أبريل في بيروت، يحضره ممثلون عن العمال وأصحاب العمل والحكومات. يساعد هذا المؤتمر في التوصل إلى فهمٍ مشترك للتحولات المؤثِّرة على عالم العمل في المنطقة والاتفاق على سياساتٍ محدَّدة يمكنها خلق فرص عملٍ لائق وتحقيق العدالة الاجتماعية التي يرتكز عليها استقرار مجتمعاتنا ونجاحها.